الشيخ محمد علي طه الدرة
469
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 199 ] ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 199 ) الشرح : ثُمَّ أَفِيضُوا . . . إلخ : الخطاب لقريش المسمّون في الجاهلية الحمس ، فإنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات ، بل كانوا يقفون بالمزدلفة ، وهي من الحرم ، وكانوا يقولون : نحن قطين اللّه ، فينبغي لنا أن نعظّم الحرم ، ولا نعظم شيئا من الحل ، وكانوا مع معرفتهم ، وإقرارهم : أنّ عرفة موقف إبراهيم - على نبينا ، وعليه ألف صلاة وألف سلام - لا يخرجون من الحرم ، ويقفون ب « جمع » ويفيضون منه ، ويقف الناس ب « عرفة » فقيل لهم : أفيضوا مع الناس . وقال الضحاك - رحمه اللّه تعالى - : المخاطب بالآية جميع الأمّة ، والمراد بالناس : إبراهيم عليه السّلام ، كما قال تعالى في سورة ( آل عمران ) رقم [ 173 ] : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فالمراد بالناس الأولى : شخص واحد . انظر الآية هناك ، فإنّه جيد ، والحمد للّه ! . فلمّا جاء الإسلام أمر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يأتي عرفة ، فيقف بها ، ثم يفيض منها ، فذلك قوله تعالى : مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ والمراد بالإفاضة هاهنا الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار ، وهذا بعد الإفاضة من عرفة ، ويحتمل أن يكون المراد : ثمّ أفيضوا من عرفة . . . إلخ . واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه . هذا ؛ وقرئ : ( من حيث أفاض النّاس ) بكسر السين ، يريد آدم ، على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام ، وهي صفة غلبت عليه ، كالعباس ، والحارث ، ودلّ عليه قوله تعالى في سورة ( طه ) : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً . وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ : اطلبوا منه المغفرة . والسين ، والتاء للطلب ، وذلك لمخالفتكم في الموقف ، ونحو ذلك ممّا كنتم تفعلونه في جاهليتكم ، أو من تقصيركم في أعمال الحجّ . هذا ؛ و « استغفر » يتعدّى لاثنين ، أولهما بنفسه ، والثاني ب « من » نحو : استغفرت اللّه من ذنبي ، وقد يحذف حرف الجر ، كقول الشاعر ، وهو الشاهد رقم [ 486 ] من كتابنا : « فتح رب البرية » : [ البسيط ] أستغفر اللّه ذنبا لست محصيه * ربّ العباد إليه الوجه والعمل فائدة : كثيرا ما يأمر اللّه بذكره بعد قضاء العبادات ، كما في هذه الآية ؛ حيث أمر بالاستغفار بعد الوقوف بعرفة ، والإفاضة منها ، وقد ثبت في صحيح مسلم : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر ثلاثا ، وفي الصّحيحين : أنّه ندب إلى التسبيح ، والتحميد ، والتكبير ثلاثا وثلاثين بعد كلّ صلاة ، وقد روى ابن جرير - رحمه اللّه تعالى - استغفاره صلّى اللّه عليه وسلّم لأمته عشية عرفة . وفي الصحيحين عن عبد اللّه بن عمر - رضي اللّه عنهما - : أن أبا بكر - رضي اللّه عنه - قال : يا رسول اللّه ! علّمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال : « قل : اللّهمّ إنّي ظلمت نفسي